محمد كرد علي
234
خطط الشام
إلى أرض العرب لتأتي منها بالذهب والعقيق اليماني والبخور والصبر والعطور العربية واللؤلؤ والأبازير والعاج والآبنوس وريش النعام وقرود الهند . والثانية ترحل إلى بلاد أشور لتعود منها بأنسجة القطن والكتان والحمر والأحجار الكريمة والماء العطر وحرير الصين . وتقصد القافلة الثالثة إلى أنحاء البحر الأسود لتستجلب منها الخيل والرقيق والأواني النحاسية من مصنوعات سكان جبال القوقاز . وكانوا يبتاعون محاصيل صناعات الشعوب المتمدنة ، ويبحثون في الأصقاع المتوحشة عما يقل الظفر به في المشرق من المحاصيل . يصطادون الصدف من شاطئ اليونان ، ومنه يستخرجون صباغا أحمر وهو الأرجوان . وكانت الأنسجة الأرجوانية تستعمل عند الأقدمين كافة ملابس للملوك والأمراء ، ويجلبون الفضة التي يستخرجها أهل إسبانيا وسردانية من مناجمهم . وكان القصدير من ضرورياتهم يستعملونه في صنع النحاس الأصفر ، وهو مركب من نحاس وقصدير ولا أثر له في أرض الشرق ، يرحل الفينيقيون في طلبه ، وينشدونه حتى في شواطئ إنكلترا في جزائر القصدير وحيثما حلوا يتخذون الرقيق يبتاعونه تارة كما كان يبتاع النّخاس العبيد في ساحل إفريقية . وينزلون طورا في إحدى السواحل فجأة فيختطفون النساء والأطفال وينقلبون بهم إلى أهلهم ويبيعونهم في القاصية . وإذا واتتهم الحال ينقلبون قرصانا ، ولا يتحامون إطالة أيدي التعدي على غيرهم . وقد أنشأ الفينيقيون مكاتب تجارية في الأرجاء التي اتجروا فيها ، وهي مراكز للبرد حصينة ، واقعة على مرفإ طبيعي يخرجون إليها بضائعهم من البحر وهي في العادة أنسجة وفخار وحلي وأصنام ، فيأتي أهل تلك الأقطار بغلاتهم يقايضونهم عليها كما يقايض اليوم تجار الأورببين زنوج إفريقية . وتقام أمثال هذه الأسواق في قبرس ومصر وجميع بلدان البحر الرومي مثل إقريطش ويونان وصقلية وإفريقية ومالطة وسردانية ومالقة وقادس وربما أقاموها في موناكو من بلاد الغول - قاله المؤرخ سنيوبوس . وكانت الشام في الزمن القديم كثيرة السكان زاهرة على ما يظهر ، وهي مدينة بوفرة سكانها واستبحار عمرانها ، لمركزها الطبيعي وتجارتها العجيبة ورباعها الخصيبة . وكان في وسع مصر أن تنازع الشام مكانتها التجارية ، بيد